غانم قدوري الحمد
26
محاضرات في علوم القرآن
إن حالة الوحي تكررت مرات كثيرة ، في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد بعثته ، وكانت تلك الحالة معروفة للصحابة ، وكانت تتسم لحظاتها بالسكينة والوقار ، وكان الصحابة يطرقون خلالها بانتظار سماع الوحي الجديد ، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : « وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا ، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى ينقضي الوحي » « 1 » . إن التلقي عن اللّه تعالى ، حتى وإن كان عن طريق الملك ، أمر خارج عن معهود الناس ، إنه أمر عجيب ، لكنه حدث مرات كثيرة على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأحس بحدوثه كثيرون ، ورأوا مظاهره رأي العين ، وتلقّوا ثمرته ، وهي هذا القرآن العظيم الذي تلاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الناس ، وحفظه عنه صحابته ، وكتبوه ، وعلّموه من جاء بعدهم ، وتناقلته الأمة خلال العصور . المبحث الخامس حفظ النبي صلى اللّه عليه وسلم للقرآن أدرك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حقيقة دوره الجديد بعد ما نزل عليه قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ( 1 ) [ العلق ] ، ونداء جبريل له : يا محمد أنت رسول اللّه حقا ، ثم نزول قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر ] . وأن عليه أن يحمل الرسالة الإلهية ويدعو إليها الناس من حوله ، وكانت طريقة تلقيه القرآن من جبريل عليه السّلام لا تعطيه الفرصة للمراجعة والحفظ في لحظة التلقي ، فكانت هذه الحالة تثير قلقه وخوفه من فقدان شيء من ألفاظ القرآن في وقت تلقيه من الملك . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعجّل في بادئ الأمر في حفظ القرآن ، فيسابق جبريل ، وهو يلقي إليه القرآن ساعة الوحي ، فيردد الآيات قبل أن ينتهي الملك ، مخافة أن ينسى منها شيئا ، وكان ذلك مما يشق عليه ، فجاء القرآن يطمئنه في أول
--> ( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 128 ، والبيهقي : دلائل النبوة 7 / 54 .